أحمد بن محمود السيواسي

233

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

قيل : ورث الحسن من جدته سارة وهي من حواء « 1 » ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ ) أي يوسف ( أَكْبَرْنَهُ ) أي أعظمنه ، قيل : « هالهن أمره » « 2 » ، وصرن مدهوشات طائرة عقولهن أو حضن في تلك الساعة ، يقال أكبرت المرأة إذا حاضت ( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) أي جرحنها لما رأينه دهشا ، يعني ما أحسن إلا بالدم ، وروي : « أن جماعة منهن ماتت » « 3 » بالنظر إلى وجهه ( وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ) بألف في الوصل ، وبحذف الألف في الوقف ، وبحذفها في الحالين تخفيفا « 4 » ، وهو تنزيه للّه أن يجري على يوسف ما نقل عنه ، ثم رفعن قدره عن البشرية فقلن ( ما هذا بَشَراً ) وإعمال « ما » عمل « ليس » حجازي ، أي مثل هذا لا يكون آدميا ( إِنْ هذا ) أي ما هذا الغلام ( إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) [ 31 ] على ربه ، يعني أنه من جنس الملائكة لا من جنس البشر مع علمهن أنه بشر لما ثبت في عرف الناس أنهم إذا وصفوا الإنسان بالحسن شبهوه « 5 » بالملك « 6 » ، إذ لا أكمل ولا أحسن خلقا من الملك عندهم ، فثم ( قالَتْ ) زليخا توبيخا لهن ( فَذلِكُنَّ ) أي فهذا المشار إليه لديكن ، يعني يوسف ( الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) أي في حبه ولم يقل فهذا مع حضوره لديهن تعظيما لقدره أو أشارت إليه بعد ذهابه عنهن ، ثم صرحت بما فعلت بعد ظهور عذرها لهن فقالت معترفة ببراءة يوسف ( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) أي امتنع وطلب العصمة من اللّه تعالى مبالغة في الامتناع ، ثم أمرته بطاعتها بقولها ( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ) أي الذي آمره أن يفعل من قضاء شهوتي ، فالضمير في « آمُرُهُ » راجع إلى الموصول لا إلى يوسف لئلا يبقي بلا عائد ، ويجوز أن يجعل « ما » مصدرية فيرجع الضمير إلى يوسف ، أي لئن لم يفعل أمري إياه ، أي مقتضى أمري ( لَيُسْجَنَنَّ ) بالتخفيف والتشديد « 7 » ، أي ليعاقبن بالسجن ( وَلَيَكُوناً ) بالألف في الخط لموافقة الإمام ( مِنَ الصَّاغِرِينَ ) [ 32 ] أي الذليلين ، يعني إن لم يطعني فيما دعوته إليه لأذللته ، قيل : جعلت الذل في حقه تهديدا لفرط محبتها إياه « 8 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 33 إلى 34 ] قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 ) ( قالَ ) يوسف عند ذلك ( رَبِّ ) أي يا رب ( السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) وجمعهن ، لأنهن زين له طاعة « 9 » مولاته أو لأنهن دعون إلى أنفسهن وهو أحب من سكنى « 10 » السجن على قضاء حاجتهن بالمعصية نظرا إلى خوف العاقبة ونيل الكرامة بحسن الصبر على احتمالها لوجه اللّه مع اقتضاء الطبع البشري قضاء حاجتهن ، ثم قال ( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ) أي إن لم ترد يا رب عن نفسي شرهن ( أَصْبُ ) أي أمل ( إِلَيْهِنَّ ) من صبا إلى كذا إذا مال واشتاق إليه ( وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) [ 33 ] بالمتابعة إلى ما يدعونني إليه من الزنا ، قيل : هذا القول متضمن معنى الدعاء « 11 » ، وهو اللهم اصرف عني كيدهن ، ولذا قال ( فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ) فيما دعاه ( فَصَرَفَ عَنْهُ ) أي عن يوسف ( كَيْدَهُنَّ ) أي شرهن ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) للدعاء فيما دعاه يوسف ( الْعَلِيمُ ) [ 34 ] بحاله وحالهن . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 35 ] ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 ) ( ثُمَّ بَدا لَهُمْ ) أي ظهر لزوجها العزيز وزليخا رأي وهو السجن ، ففاعل « بَدا » مضمر فيه يفسره قوله « لَيَسْجُنُنَّهُ » بعده ، روي : أن المرأة قالت لزوجها وهو جميل « 12 » ذلول لها إن هذا العبد العبري فضحني بخبر

--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 74 . ( 2 ) عن أبي العالية ، انظر البغوي ، 3 / 278 . ( 3 ) عن وهب ، انظر البغوي ، 3 / 278 . ( 4 ) « حاش للّه » : قرأ البصري بألف بعد الشين وصلا ، والباقون بالحذف ولا خلاف بين العشرة في حذف الألف وقفا اتباعا لرسم المصحف . البدور الزاهرة ، 163 . ( 5 ) شبهوه ، ب س : شبهوا ، م . ( 6 ) بالملك ، س : الملك ، ب م . ( 7 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 8 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 9 ) طاعة ، ب م : لطاعة ، س . ( 10 ) من سكنى ، س : سكنى ، ب م . ( 11 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 12 ) جميل ، س : جمل ، ب م .